من الذاكرة ….
' الداية منة ' وبريق دمع الجندي …
من ذكريات معتقل والدي .
شكر ..
إلى كل الذين واسوا الجزائر في محنتها طيلة السنوات الماضية بدعائهم وأقلامهم ولم يبخلوا ..
إلى أحبتي الذين شرفوني بتقليدهم لي أمانة تمثيل الجزائر فكان عزاءهم أصالة عن أنفسهم ونيابة عن شعوبهم لمصابنا الجلل الأخير ( تفجيرات العاصمة ) سلوى لنا جميعا .. أخص :
العزيزة عهود أبو الهيجاء ؛الفاضلة شمعة فلسطينية ؛ الكريمة إبتسام العطيات ؛ المبدعة أمل فرحات …
الغالي أنور الزيدات ؛الكبير حسان العاني ؛ الوفي المصطفى أسعد …
الإهداء ..
إلى جدتي الداية منة ( الأم مريم ) بقلبها الكبير وإلى ذلك الجندي الذي لا يزال بريق دموعه يسكن ذاكرتي ..
إلى شهداء الجزائر والعالم العربي والإسلامي وناشدي الحرية في كــل مكان ماضيا وحاضرا ومستقبلا ..
إلى والدي خاصة وإلى الشعب الجزائري المناضل ..
لا يعنيني من كان وراء التفجيرات الهمجية الأخيرة التي أدمت العاصمة الجزائرية وأزهقت أرواحا بريئة بغير حق … ولن أخوض في دوافع وأسباب كــل جهة أشير لها بالبنان بمسؤوليتها عن الذي حدث … ولن أجتهد في الربط بين ما وقع في العاصمة الجزائرية والدار البيضاء بالمغرب الأقصى الحبيب … وأخيرا لن استعمل لفظ الإرهاب .
كل ما أريد قوله أن لا جزائري يقتل جزائري - ولا مسلم يزهق روح مسلم ولا إنسان ولا حيوان يعتدي على أصله ببربرية ترفضها حتى الجمادات فمعذرة إن لم أجد وصفا يليق بهؤلاء الأوغاد …
في حزني للذي وقع عادت بي الذاكرة إلى صائفة عام 1992 .. إلى مشهد علق بذاكرتي جعلني أتأكد أن قلوب الجزائرين على بعض وأن الجلاد أي كانت هويته لن يستطيع أن يفرق بين أبناء البلد الواحد … المكان معتقل برج عمر إدريس بالصحراء الجزائرية .. المعتقل والدي - حفظه الله - والدي لمن لا يعرفه رجل بسيط علمنا الخوف من الله وحب الناس .. كان عضوا في الجبهة الإسلامية للإنقاذ الحزب الإسلامي المعتمد أنذاك من طرف السلطات الجزائرية .. ومنتخب بلدي بإنتخابات شفافة بشهادة الجميع .. لم يحصل على أي إمتياز من خدمته لشعبه طول فترة إنتخابه القصيرة قبل أن تزهق التجربة الديمقراطية في الجزائر بل أنه رفض حتى قبول التنازل عن السكن الوظيفي وهو من حقه حتى لا يفهم أن الإسلاميين الذين نادوا بضرورة النزاهة كغيرهم ؛ عارض أن تنتزع صورة الرئيس الشاذلي بن جديد - ذكره الله بالخير - من مكتب رئيس البلدية لأنه كان يرى أن الإختلاف لا يعني الإقصاء .. كان والدي يتصرف بفطرته دافعه الإيمان والإخلاص … أذكر يوم إعتقاله … حضر الدرك الوطني صباحا إلى البيت .. خاطبتهم والدتي من خلف الباب أن الوالد ليس هنا فرحلوا .. علمت في ما بعد أن والدي كان لدى والدته ' الداية منه ' يودعها لأنه كان يعلم أن إعتقاله أمر وارد ويستسمحها فلا يعلم هل سيرجع يوما أم لا … كانت الصورة غداة إقالة الرئيس بن جديد ووأد الإنتخابات التشريعية النزيهة في يناير 92 ضبابية .. كانت الإشاعات تملأ أفاق حيرة الجزائرين وتزاحم الدبابات ومضادات الطائرات التي إنتصبت في الشوارع والساحات العمومية .. عند عودته أخبرته ماما بما حدث همس في أذنها .. قبل إخوتي .. صافحني والدي بحرارة .. حمل قشابيته ( لباس شتوي تقليدي من وبر ) على كتفه .. إستودعنا الله .. سار بخطى ثابتة نحو مركز الأمن كان وقت خروجه موعد ذهابي إلى المدرسة وكانت في طريقه … لا أعرف لما لم أمشي إلى جنبه وظللت وراءه أتتبع خطاه .. أضع قدمي في مسار قدمه رغم الفارق بين مشيته ومشيتي .. عيوني شاخصة في هيبته .. عند المنعطف غاب والدي عن ناظري بإبتسامته التي ترتسم على محياه .. وجلست تحت شجرة في فناء المدرسة أبكي .. تحلق زملائي بي يسألونني سبب البكاء ولكنني لم أجد لهم جوابا …لم يقل والدي أنه سيغيب ولكنني أحسست ذلك من دموع والدتي التي وارتها لتزيح قلقنا .. حيرتها أوجست في نفسي خيفة … عند المساء عدت من ذات الطريق ولكن والدي لم يعد منه ؛ مضى اليوم ولم يعد .. في الليل سألنا والدتي عنه فلم تجد ما تجيبنا به إلا أنه سيعود قريبا …مر يوم ويومان وثلاث وشهر ولا أحد غير الله والحكومة يعرف مصير والدي … حتى فرقة الأمن للقرية المجاورة لقريتنا لم يكن لهم جوابا غير أنهم أمضوه على محضر بعد الإستماع إلى أقواله وأنهم رحلوه على الأمن الولائي .. لم يكن وقتها وفي تلك الحالة الإستثنائية السؤال عن معتقل أمر يسير لأن السائل قد يعتقل أيضا وتضيع أخباره في
































